ابن سبعين
346
رسائل ابن سبعين
رضيت باللّه ربّا وبالإسلام دينا ومحمد نبيّا . واستعنت بقوله : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : 54 ] . واعتمدت على قوله : هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ [ الرحمن : 60 ] . فلمّا يسر اللّه ، وكان ما كان أبصرت ما لم أبصر ، وسمعت ما لم أسمع ، وعلمت ما لم أعلم ، وكنت على بينة من أمري بوجه أجمل وبحكم أكمل ، ووجدت اللّه أجل مما كان في المقامات والأسماء ، والمواقف التي تتخيل بينهما ، وكذلك الدرجات ، وجعلت وسيلتي قطع أسباب الوصول والصلة ، وسلكت على سلب السلوك ، وبلغت إلى عدم النهاية ، وكأني انحططت إلى البداية ، وقرأت كتاب الكنه الأول كله قراءة أخرى ، وتطورت في الأصول الإلهية ؛ ذقت كل الوجود والموجودات ، وشخصت الأوهام ، وعجزت عن المقدرات ، وحققت الفرق ، وطمعت في التداخل المشابك ، وقلت : لا خير في أمر لا يقوم بي ، وإن كان المعجوز عنه . فلمّا يسر اللّه ، وكان ما كان وسعت الإحاطة ، وعطلت أحكامها صحبة ذلك ، وقرأت السورة ، وصورت بالوهم تلك الصورة ، وجاء اللّه من الضمير ، وأشرق نوره من الخير فيه ، وأضاء من تفصيله المزدوج ، واستوى على قضيته من السكينة الكامنة فيه ، فلمّا كان ما كان ؛ وجدت سنته التي لا تتبدل وتتحول فيه ، ولم تقل هو اللّه هذا المشار إليه ولا أنا ، ولا الكل ، ولا كل الكل ، وعجبت من وحدة الوجود ، وضحكت منها ، ودخلت بعد ما خرجت عنها ، فلمّا كان ما كان ، وكان ذلك الخبر هو القضية المحررة الواقفة التي تخرج كل وهم ، وتتصل عن كل حكم حتى عن قطع الجميع ، وعن ثبوته أيضا ؛ ظهر لي الشأن الذي انبعث عنه المكان العام ، وجميع الكليات ، وما يجتمع عندها ، وفيها من العوالم المنسوبة ، والمشار إليها ، والإحاطات الخيرية والوجودية ، والتي لا يقال عليها ذلك كله ، والمألوفات ، والمعتبر الكبير المتوهم ، وامتد الصراط إلى اللّه الواسع العليم الصمد الحق المبين الأحد العلي الكبير رب الأرباب ، وهمت بالقضاء على تعيين كل مدرك من تلك ، ومن كل ذلك . فلمّا كان ما كان توقفت ؛ لأني وجدت الذات التي قيل فيها : لها الأسماء الحسنى والصفات العلى ، وأسماء الذات والأفعال ، والتنزيه والتعظيم ، وإن تلك الصفات ، أعني : صفات الذات ، زائدة عليها ، ومنها ما يتعلق ببعض المعلومات دون بعض . ومنها ما هي غير ، ومنها ما هي غير بجهة ، وبجهة أخرى أهي هي ، وهذا بحسب رأي ما .